التراكمات الثقافية فى الوجدان المصرى
بقلم/ داليا سعدالدين
(هذا المقال تم نشره فى مجلة الدوحة- العدد 140 - يونيو 2019)
يحمل الشعب المصرى كغيره من شعوب العالم ميراثا ثقافيا يرجع لعصور عديدة، منها القديم والحديث، والتى تشكل الوعى الجمعى للمصريين عبر الأجيال؛ ومن ثم العصور التاريخية المختلفة. والبداية دائما فى تأمل المجموعات البشرية الأولى للظواهر الطبيعية المختلفة. ولتفسير تلك الظواهر بشكل منطقى، يلجأون لربطها بقوى خفية عن طريق خلق قصص أسطورية ذات مغزى فلسفى، ناتج عن التامل. ومن هنا يكون منشأ العقيدة الدينية للجماعات البشرية الأولى؛ عن طريق خلق بعض الأساطير المقدسة التى قد لا يسهل التوصل لأسبابها.
ومع البعد الزمنى لا تختفى تلك الأساطير، بل تظل كامنة فى اللاوعى لتنتقل كخبرات فى الضمير الجمعى للشعب نفسه عبر الأجيال، ومع الوقت واختلاف الظروف البيئية أو الاجتماعية، يتم محورة تلك الأساطير المتناهية القدم لتتوائم مع ما تم من تطور فى الفكر البشرى، فقد تتوارى الشخصيات الاسطورية الرئيسة؛ أو تختفى الأسطورة ككل ولا يتبقى منها إلا الفحوى الأسطورى أو الحكمة الناتجة عنها. وقد تأثر المجتمع المصرى على مدار قرون تحفل بتأثيرات ثقافية أحدث اندمجت بالتراكمات الأقدم؛ لذا من المفيد فض الاشتباك بينها.
فتأصيل الأمثال والحكم الشعبية المتوارثة فى وجدان المجتمع المصرى يرجع لعهود تاريخية بالغة القدم، ولابد من الإشارة إلى قصة الخلق والنشأة فى فلسفة العقيدة المصرية القديمة حيث أن الآلهة فى الأصل كانوا يسكنون فى الأرض بين البشر؛ وتحديدا فى أرض مصر والتى أطلق عليها قدماء المصريين اسم "كمت - أى "الكاملة"؛ إذ بها كل عوامل الاستقرار. غير أن ما حدث من خطيئة البشر نحو الكيانات النورانية المقدسة؛ دفعت تلك الكيانات لترك الأرض والاستقرار فى السماء. إذ كان الِنِثر الأعظم - أو بترجمة أخرى "الإله الأعطم" وهو "إتوم - والذى يعنى اسمه "المطلق أو التام" فى اللغة العربية، كان قد أوكل لتلك الكيانات المقدسة مهمة إدارة شئون الأرض والبشر؛ وقد اعتبرها قدماء المصريين ما بين مقدسين وأنصاف مقدسين.
غير أن الخطيئة الأولى لشعب "رِمِث" الذين هم "المصريين" فى الأسطورة القديمة لم تكن لتستحق عقابهم بالهلاك، وإنما جاء العقاب نتيجة لكفرهم بما أعطاهم الإله من نعم. إذ تحكى لنا أسطورة هلاك البشر أن النثر "رع استاء من الأفعال الشريرة للبشر وإفسادهم لما أرساه من نظام عادل للتوازن الكونى، فارسل لهم ابنته المقدسة "حتحور" لعقابهم، فقامت بقتلهم وقتل ماشيتهم وشربت دمائهم وأكلت أجسادهم، إلا أن "رع" أشفق على مخلوقاته الأثيرة، فأوحى إلى رجل وزوجِه من المؤمنين بضرورة إرسال عداءين سريعين كظل الجسد، ليسرعا إلى أسوان ويحضرا منها كمية من مسحوق أحمر ويخلطوه بالجعة، ويروون به الحقول حتى ارتفع السائل عن سطح الأرض، ولما رأته "حتحور" ظنته دماءًا، فشربت منه وانتشت، ونامت فترة طويلة من الزمن سمحت بإعادة تناسل البشر مرة أخرى، إلا أنها عندما استيقظت وعلمت ما تعرضت له من خديعة، غضبت وتركت أرض مصر واتجهت جنوبا، حيث أصبحت أقوى وأشرس وهناك تحولت من البقرة "حتحور" إلى اللبؤة "سخمت" لكنها بعد فترة من الزمن اشتاقت للعودة إلى الوطن، غير أنها ضلت الطريق، فأشفق عليها "رع" وأرسل المُقدس "چحوتى" ليعيدها إلى أرض مصر، فكان "چحوتى" فى المثل الشعبى المصرى هو (اللى جاب التايهة)، ولايزال المصريين يستخدمون فى الغزل عبارة "عيون البقر" التى ترجع فى أصلها القديم لكونها تعبير عن المرأة التى تشبه "حتحور" فى عطائها وجمالها عيونها الأخاذة.
ولم تقتصر الأمثال الشعبية على حفظ التراث الأسطورى، بل تخطته لتحفظ التقويم المصرى القديم المنوط بتنطيم المواسم الزراعية؛ إذ قسموا السنة إلى 12 شهر وكل شهر مقسم إلى 30 يوم وبذلك يكتمل عدد ايام السنة 360 يوم يضاف إليها أخر كل سنة خمسة أيام تسمى بالشهر الصغير (كوجى أتفوت) يضاف إليه يوما واحدا آخر كل أربع سنوات، وأيام الشهر الصغير هى احتفالات لاستقبال السنة الجديدة، التى اتفق قدماء المصريين على تسمية أول شهورها باسم "چحوتى" الذى كان أول من علم المصريين الأحرف والكتابة ومختلف العلوم، وهو الذى أصبح بعد ذلك يعرف باسم شهر "توت" فى الحرف القبطى المتأخر، وهو من أحضر حتحور التائهة من الجنوب، وتلك دلالة على أنه استخدم العلم فى مهمته ولم يكن بساحر أو نحو ذلك.
وكما ذكرنا، فقد توارث المصريون أسماء أشهر السنة القبطية وأمثالها، ومن تلك الأمثال الشعبية: (توت يقول للحر موت) نسبة إلى انكسار نسبة الحرارة في هذا الشهر، وأيضا (توت حاوى توت) أى أن خلال الشهر يستطيع الإنسان التكلم بلسان الحكمة والمعرفة. وفى شهر "بابه" يقال: (إن صح زرع بابه يغلب النهابه، وإن خاب زرع بابه ما يجيبش ولا لبابه) أى أن كثرة المحصول فى هذا الشهر مربحة مهما حدث فيها من نهب. وفى شهر "طوبة" يشتد البرد فى مصر لذا يقال: (طوبة تخلى العجوزة كركوبة، من كثرة البرد والرطوبة) وأيضا: (طوبه تخلى الصبية جلدة والعجوزة قردة). وعن ازدهار المحاصيل يقال فى شهر "برموده": (برمودة دق العامودة)، وعلى عكس اعتدال الجو والمناخ فى شهر "توت" يقال عن شدة الحر فى شهر "بؤونه": (بؤونة تكتر فيه الحرارة الملعونة).
أما التأثيرات الأجنبية فى الوجدان المصرى الحالى، فمن الصعب فصلها سواء أكانت عابرة أو مستقرة؛ ذلك أن الوعى الجمعى للشعب استطاع أن يغزل منها نسيج متوافق مع الضمير المصرى نفسه. ومنها أنه بعد اعتماد المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية؛ وكانت الديانة المسيحية قد انتشرت فى مصر وقتئذ، فكان الأقباط المسيحيون يشاركون إخوانهم الأقباط الذين بقوا على ديانتهم القديمة فى الاحتفالات الموسمية، خاصة الاحتفال بعيد "شمو" أى شم النسيم فى 12 برمهات؛ وهو الموافق للاعتدال الربيعى فى 21 مارس فى التقويم الجريجورى، وفى هذا اليوم اعتاد المصريين تلوين البيض وأكله مع الأسماك المملحة. ولما كان هذا الاحتفال وقتئذ يتخلل فترة الصوم الكبير، لذا تم الاتفاق على تأجيل الاحتفال بعيد "شموْ" لما بعد إفطار المسيحيين عقب عيد "القيامة المجيد". وهكذا أصبح الاحتفال بعيد "شم النسيم" بعد إفطار المسيحيين؛ واعتُبر يوما للوحدة بين الأقباط بعد أن كاد المجتمع يتفتت ويتشرزم آنذاك.
ورغم موجات الغزو الثفافى المتلاحفة التى تعرض لها المجتمع المصرى، إلا أن السواد الأعظم من الشباب دائم البحث عما يربط حاضره بماضيه خاصة ذلك الذى يرجع لعهود الدولة المصرية القديمة. ناهيك عن اللغة اليومية فى الشارع المصرى نفسه، والتى رغم كونها تعج بكلمات من كل لغات الشعوب سواء تلك التى احتلت مصر عبر قرون طويلة، أو الشعوب التى كانت لها علاقات تجارية مع المصريين؛ إلا أن المصريين استطاعوا من خلال لغتهم اليومية الاحتفاظ بمئات الكلمات المصرية القديمة وغزلها بالكلمات الأجنبية المستقرة، لتكوين عبارات وجمل ذات الطابع المصرى الخالص، خاصة وأنها تعتمد فى أساس تكوينها على القواعد النحوية للغة المصرية القديمة وما حدث فيها من تطور خلال الحرف القبطى، وهذا حديث آخر.






0 Comments