Ad Code

السلطة والدولة - 1

 السلطة والدولة

(1)


البشرية


السلطة قديمة قدم البشرية ذاتها؛ فمع إدراك الجماعة البشرية لتميزهم العرقى واللغوى والثقافى، بتميزهم العرقى واللغوى والثقافى تبرزت الحاجة إلى وجود أفراد يرعون ويحمون ذلك التميز، بل ويدركون هم أنفسهم قيمة تميزهم واختلافهم العرقى عن غيرهم من الجماعات البشرية. بالتالى برزت قدرات هؤلاء الأفراد فى حل مشكلات الجماعة نفسها؛ سواء أكانت مشكلات داخلية أو خارجية متعلقة بجماعة بشرية أخرى، أو حتى تلك المشكلات المتعلقة بعلاقة الجماعة البشرية بما حولهم من مظاهر الطبيعة المختلفة. من هنا برز دور الكهان وعلى رأسهم الكاهن الأعظيم فى المجموعة البشرية الذى كان يستأثر وحده بالسلطة الدينية والدنيوية من خلال تأثيره على الجماعة وعلى قائد الصيادين فى هذه الجماعة.


مجتمع الإنسان الأول
مجتمع الإنسان الأول

 ومع التطور الحتمى للبشرية، برزت الحاجة لاستقلالية الشؤون الحياتية أو الدنيوية عن الشؤون الطبيعية أو الدينية، فكان "قائد الصيادين" قد تحول مع تطور"الأمة" إلى "قائد الجنود أو العسكر"؛ ما أدى إلى صدام فى مصالح ذلك "القائد" بمصالح "الكاهن الأعظم". فكان لابد من صراع "سلطوى" أعقبه تقسيم للسلطات فى  إطار الأمة الواحدة، فكانت سيطرة "القائد" الذى ما لبث أن أصبح "الملك" المتصرف فى المقدرات الحياتية لأفراد أمته، من خلال احتكاره للعنف كوسيلة اقناع لأفراد الأمة بسلطانه وقدرته. فى حين أنه تعاون مع "الكاهن الأعظم" لتأكيد سلطة كلايهماعن طريق التأييد السماوى أو الحق "الإلهى"، الذى يجعل من الخارج على سلطاتهما المطلقة، خارجَا على تشريعات الإله نفسه. هكذا ضمن كليهما الطاعة والاستكانة من أفراد "أمتهما"، بل وتجاوزوا ذلك فى كثير من الأحيان، إلى السيطرة على "أمم" أخرى بدعوى اعتبارها أقل شأنَا.  

هيمنة السلطة خارج حدود الجماعة

تحمل "السلطة" فى  اللغة العربية معانى عدة، كالتسلط والسيطرة والتحكم، ومنها السلطان التى تعنى الحجة وقدرة الملك ، كما أن السلطة هى القدرة والقوة على فعل الشىء، والسلطان الذى يكون للإنسان على غيره، وجمع السلطة هو سلطات، وهى الأجهزة الاجتماعية التى تمارس السلطة، كالسلطات السياسىة، والسلطات الدينية، والسلطات القضائية.

والسلطة فى  اللغة الإنجليزية "Authority" المأخوذة من كلمة "Auctoritas" اللاتينية التى تشير إلى مكانة اجتماعية مميزة تمنح "حق ما" لصاحبها فى المجتمع، وإلى تلك المكانة يمكن إرجاع حق صاحب الإقطاعية فى  تملكه للأراضى بمن عليها من بشر خلال العصور الوسطى فى  أوروبا، ومن ثم الحق المطلق للملك فى  الحكم والتسلط على البشر وأراضيهم. فى حين يعرفها المعجم السوفيتى بأنها إحدى الوظائف الأساسية للتنظيم الاجتماعى، وهى القدرة الآمرة التى فى  حوزتها الإمكانية الفعلية لتسيير أنشطة الناس بتنسيق المصالح المتعارضة للأفراد أو الجماعات، وبإلحاق تلك المصالح بإدارة واحدة، عن طريق الإقناع أو القسر.

ولقد حاول الفلاسفة والسياسىون وعلماء الاجتماع لقرون عديدة استكشف طبيعة السلطة وتفنيدها ونقد خصائصها. فقال بيتاكوس - Pittacus: "أن مقياس الرجل هو ما يفعله بالسلطة". وقد كان بيتاكوس - Pittacus (640 - 568 ق. م.) جنرالًا عسكريًا، وسياسى وفيلسوف، وواحد من الحكماء السبعة في اليونان القديم. كما كان قائد جيش بلده ضد جيش أثينا فى الحرب سنة 606 ق.م.، وتم انتخابه حاكم سنة 590 ق.م بلقب أيسمنيتيس، وبعد عشر سنوات فى الحكم استقال. تنسب له حكم وأقاويل كتيرة، أغلبها سياسى واخلاقى.


تمثال نصفي لبيتاكوس - نسخة رومانية من أصل يونانى من أواخر العصر الكلاسيكي - متحف اللوفر
تمثال نصفى لبيتاكوس
 - نسخة رومانية من أصل يونانى من أواخر العصر الكلاسيكي
 بمتحف اللوفر

وفى  أواخر القرن التاسع عشر كان للبارون جون إمريش إدوارد دالبيرج أكتون - John Emerich Edward Dalberg-Acton (البارون أكتون الأول - Baron Acton I) آراءا سياسية قيمة جدا حول مفهوم السلطة؛ إذ كان مؤرخًا وسياسيًا وكاتبًا إنجليزيًا كاثوليكيًا. وقد اشتهر بعدة ملاحظات عن السلطة خلال سنة 1887؛ منها رسالته إلى أسقف أنجليكانى، والتى جاء فيها أن: "السلطة تميل إلى الفساد، والسلطة المطلقة تفسد تمامًا. الرجال العظماء هم دائمًا رجال سيئون أبدا ...". كما أكمل قائلا أن: "السلطة تميل إلى الفساد؛ السلطة المطلقة هى فساد تام".

البارون أكتون الأول
البارون أكتون الأول 

ثم يأتى عالم الاجتماع الألمانى ماكس ﭬيير - Max Weber الذى درس القوة والسلطة، حيث صاغ ﭬيير نظاما لتصنيف أنواع السلطة، وقد تبنى غالبية علماء السياسة فيما بعد التعريف الذى أطوره ماكس ﭬيير للفصل بين المفهومان. وقد حدد ﭬيير فى تفسيراته: "أن القوة هي قدرة كيان أو فرد على التحكم فى  الآخرين أو توجيههم، فى حين أن السلطة هى التأثير الذى يعتمد على الشرعية المتصورة".

ماكس ﭬيير
ماكس ﭬيير

من خلال تعريف ﭬيير؛ ندرك ان السلطة تؤثر أكثر فى العلاقات الشخصية؛ إذ أنها تشكل ديناميكيات أكبر مثل المجموعات الاجتماعية والمنظمات المهنية والحكومات. هنا تكمن أهمية رؤية ﭬيبر فى التمييز بين أنواع مختلفة من السلطة الشرعية التي تميز بين أنواعًا مختلفة من المجتمعات، لا سيما أنها تتطور من مجتمعات بسيطة إلى مجتمعات أكثر تعقيدًا. وبالتالى يمكن تقسيم السلطة إلى ثلاثة أنواع؛ وهى: السلطة التقليدية، والسلطة القانونية العقلانية، والسلطة الكاريزمية.

السلطة التقليدية هي القوة المتجذرة فى المعتقدات والممارسات التقليدية أو القديمة للمجتمع. وبالتالى فهى ذات تأثير عظيم فى مثل هذا المجتمع، ويتم تخصيصها بحسب التقاليد لأفراد معينين، كالعائلات الملكية أو طبقة الأرستقراط والنبلاء وطبقة الاقطاعيين فى العصور الوسطى، وذلك يرجع إلى العادات والمعتقدات المتجذرة فى المجتمع نفسه.

أما السلطة القانونية العقلانية فهى على العكس من السلطة التقليدية؛ إذ أنها مستمدة من القانون، ومن ثم تقوم على الإيمان بشرعية قوانين المجتمع وقواعده وبحق القادة فى التصرف بموجب هذه القواعد لاتخاذ القرارات ووضع السياسات، أى أنها سلطة لا تنبثق من خلال المعتقدات الدينية ولا التقاليد المتوارثة فى طبقات محددة، بل من خلال قوانين يفرضها المجتمع لضمان العدالة الاجتماعية فيه. وبالتالى يعتبر هذا الشكل من السلطة هو سمة مميزة للديمقراطيات الحديثة.

وأخير تأتى السلطة الكاريزمية والتى تنبع الصفات الاستثنائية والغير عادية للشخص القائد، ويتم فرضها من سيطرة وسطوة هذا الشخص القائد على أتباعه بسبب صفات شخصيته الكاريزمية. وقد يمارس هؤلاء الأشخاص ذوى الكاريزما السلطة على مجتمع بأكمله أو على مجموعة محددة فقط داخل نفس المجتمع، وبالتالى يمكنهم ممارسة وتطبيق السلطة فى الخير أو الشر على حد سواء.  

هكذا تبرز أهمية السلطة فى علم السياسة، حيث يتم تحديدها من خلال تعريف ممارستها داخل المجتمع. فأى نظام سياسى يشير إلى عمل المؤسسات داخله، والتى يتم عبرها توزيع السلطات وممارستها فيما بينها. تلك الممارسات تتم عن طريق توزيع السلطة عبر مؤسسات الدولة، من خلال السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. يحدث ذلك فى أى مجتمع مدنى متحضر؛ إذ يجب اتخاذ قرارات بشأن تخصيص الموارد والأمور السيادية المتعلقة بالمجتمع. غير أن المجتمعات الأقل مدنية وتحضرا؛ حدث فيها العكس. فيحتكر السطلة فى تلك المجتمعات أشخاص محددون أو طبقات اجتماعية محددة، يتخذون القرارات السياسية والاقتصادية فقط لمنفعتهم الشخصية، وفى بعض الأحيان الاستثنائية يتخذون هذه القرارات لصالح المجتمع ككل بغض النظر عمن هو المستفيد. هكذا تكون النقطة المركزية هي: أن بعض الأفراد والجماعات لديهم قوة أكبر من الآخرين. لأن القوة ومن ثم السلطة ضروريان جدًا لفهم اتجاه سياسة أى دولة.

وحال أننا عرفنا بشى من الاختزال معنى مصطلح "السلطة"، لابد وأن نعرض- بشكل عام واختزال كذلك؛ لتعريف مصطلح "الدولة" التى من خلالها تمارس "السلطة" مهامها.

فى الموسوعة البريطانية - The British Encyclopedia، للأسف يتم اختزال تاريخ المعرفة الإنسانية "بالدولة"؛ من خلال عرض موجز لسوابق تشكيل الدولة فى اليونان والروما. ذلك أن التاريخ الغربى الذى يبدأ فى اليونان القديمة؛ إذ كتب أفلاطون -Plato وأرسطو - Aristotle عن بوليس -  Polis أى دولة المدينة، كشكل مثالي من أشكال التنظيم الذى يمكن من خلاله تلبية احتياجات المجتمع الدينية والثقافىة والسياسية والاقتصادية بأكملها. هذه الدولة-المدينة، أى البوليس -  Polis، تميزت فى المقام الأول باكتفاءها الذاتي؛ إذ كان ينظر إليها على أنها وسيلة لتطوير الأخلاق فى الشخصية الإنسانية؛ فهى المدينة الفاضلة - Utopia عند أرسطو. وتتوافق الفكرة اليونانية بشكل كبير مع المفهوم الحديث للأمة؛ أى أن سكان منطقة ثابتة تشتركون فى لغة وثقافة وتاريخ مشترك.

نسخة رومانية من الرخام لتمثال نصفى من البرونز اليونانى لأرسطو للفنان ليسيبوس - 330 قبل الميلاد
نسخة رومانية من الرخام لتمثال نصفى من البرونز اليونانى لأرسطو
 للفنان ليسيبوس - 330 قبل الميلاد

فى حين أن النظام السياسى الرومانى - Res-Publica أى الشىء العام، والذى عرف إصطلاحا بالجمهورية الرومانية، أو بمعنى أخر الكومنولث - Commonwealth، هو أكثر تشابها مع المفهوم الحديث لفكرة الولاية. حيث كان الرومان مرتبطين بشدة بتقاليدهم؛ فقد كان النظام السياسى الرومانى للدولة يعد نظاما قانونيا امتد اختصاصه ليشمل جميع المواطنين الرومان، ويضمن حقوقهم ويحدد مسؤولياتهم. ومع تفكك النظام الروماني، أدت مسألة السلطة والحاجة إلى النظام والأمن إلى فترة طويلة من الصراع بين اللوردات الإقطاعيين فى أوروبا.

غير أنه يجب ملاحظة أنه قبل تأسيس الدولة المدينة – Polis فى اليونان القديمة؛ كان للنظام السياسى فى مصر القديمة شكل ثابت ومستقر على مدار قرون منذ 3500 ق.م. على أقل تقدير، وحتى فى ممالك العراق القديمة فى آشور وبابل قبل النظام اليونانى. فقد كان النظام السياسى القديم فى مصر يرى أنه صورة شبيه للنظام الكونى ولكن على أرض مصر؛ وبالتالى يمكن القول بأنه قد يقترب بشكل ما من مفهوم أو مبدأ "الحق الإلهى - Divine Will" الذى أرسى قواعد الممالك فى القرون الوسطى. هذا بالإضافة إلى أن النظام الإدارى وتقسيم أراضى الدولة إلى إدارات اصغر تابعة للسلطة المركزية العليا، كان بدايته فى مصر منذ 3000 ق.م.. فمثلا نجد أنه كان قد تم تقسيم الأراضى إلى 42 منطقة لكل منها سلطة قضائية منوطة بالتفصل فى المنازات، وتتبع فى التسلسل البريوقراطى فى مصر القديمة السلطة القضائية العليا فى عاصمة الدولة سواءا فى طيبة أو منف.

جورج م. جمس
جورج م. جمس

 كما يجب عدم إغفال أن السواد الأعظم من أفكار وكتابات أرسطو - إن لم يكن جميعها - كان أصلها موجود فى مكتبة الأسكندرية القديمة؛ إذ ما كان بها من كتب وبرديات هو المصدر الحقيقى لكتب وأفكار أرسطو، وهو ما برهن عليه البروفيسور جورج م. جمس أستاذ علم المنطق والفلسفة اليونانية فى كلية ليفينجستون فى سالزبورى بولاية نورث كارولينا- الولايات المتحدة الأمريكية، فى كتابه الإرث المسروق المنشور سنة 1954، حيث يعتبر هذا الكتاب هو الأب الشرعى لكتاب إثينا السوداء الذى نشر سنة 1987. كما أن عددا غير قليل من الأكاديميين يضعون كتاب "الإرث المسروق" لجورج جمس أحد أهم اسباب اغتياله سنة 1956.

وللحدث بقية، ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع هامة:

Nathaniel J. Pallone, "Religious Authority and Social Perception: A Laboratory Exploration in Social Influence", The Journal of Social Psychology (1966), Volume 68, Issue 2, pp. 229- 241

عبد العزيز العيادى، ميشال فوكو، المعرفة والسلطة (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1994)، ص 45.

محمد بن يعقوب الفيروز آبادى، القاموس المحيط (القاهرة: 2013)، ص 91

جميل صليبا، المعجم الفلسفى، الجزء الأول (دمشق: 1982)، ص 670

- Oxford English Dictionary online; https://www.lexico.com/definition/authority

- Dictionnaire Philosophique, ed. du progries, Mouscou, (1985), p. 409.

- Letter to Bishop Mandell Creighton (April 5, 1887), published in Historical Essays and Studies, (ed.) J. N. Figgis and R. V. Laurence (London: Macmillan, 1907)

- Max Weber & Ben Fowkes, "The national state and economic policy (Inaugural lecture, Freiburg, May 1895)", Economy and Society, Vol. 9, Issue 4 (1980), pp. 428-449

- Max Weber, Economy and society: An outline of interpretive sociology, G. Roth & C. Wittich, Eds. (Berkeley: University of California Press, 1978, Original work published 1921)

- Michael Jackson, “Designed by Theorists: Aristotle on Utopia”, Utopian Studies, Vol. 12, No. 2 (2001), pp. 1-12

- Catalina Balmaceda (ed.), “Libertas and Res Publica in the Roman Republic: Ideas of Freedom and Roman Politics”, Impact of Empire, Vol. 37 (25 Sep 2020).

- George G. M. James, “Stolen Legacy: Greek Philosophy is Stolen Egyptian Philosophy”, The Journal of Pan African Studies (2009), p. 4.


 









Post a Comment

0 Comments